ابن العربي

1035

أحكام القرآن

وقد كان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يرسل كتبه مع الواحد ، ويأمر الواحد أيضا بتبليغ كلامه ، ويبعث الأمراء إلى البلاد وعلى السرايا ؛ وذلك لأنّ الأمر لو وقف فيها على التواتر لما حصل علم ، ولا تمّ حكم ، وقد بينا ذلك في أصول الفقه والدين . المسألة الثانية - فيما روى فيها : ثبت أن زيد بن ثابت قال : أرسل إلىّ أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة ، فإذا عمر بن الخطاب عنده ، فقال : إنّ القتال قد استحرّ « 1 » بقرّاء القرآن يوم اليمامة ، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن كلها ، فيذهب قرآن كثير ، وإني أرى أن تجمع القرآن . قال أبو بكر لعمر : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال عمر : هو واللّه خير ، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر عمر ، ورأيت فيه الذي رأى . قال زيد : قال أبو بكر : إنك شابّ عاقل لا نتّهمك ، قد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه ؛ فتتبّع القرآن . قال : فو اللّه لو كلّفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علىّ من ذلك . قلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقال أبو بكر : هو واللّه خير . فلم يزل يراجعني في ذلك أبو بكر حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبى بكر وعمر . فتتبّعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب ، وذكر كلمة مشكلة تركناها . قال زيد : فوجدت آخر براءة مع خزيمة بن ثابت : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ . . . إلى : الْعَظِيمِ . انتهى الحديث . فبقيت الصحف عند أبي بكر ، ثم تناوما بعده عمر ، ثم صارت عند حفصة رضى اللّه عنهم ، فلما كان زمن عثمان حسبما ثبت في الصحيح قدم حذيفة بن اليمان على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن ، فقال لعثمان بن عفان : يا أمير المؤمنين ، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب ، كما اختلف اليهود والنصارى .

--> ( 1 ) استحر القتل : اشتد .